الغزالي
150
إحياء علوم الدين
التآلف والتحاب ، وبذلك تستريح القلوب من ألم الحسد ، وغم التباغض فهذه هي أدوية الحسد ، وهي نافعة جدا ، إلا أنها ثمرة على القلوب جدا . ولكن النفع في الدواء المر ، فمن لم يصبر على مرارة الدواء ، لم ينل حلاوة الشفاء . وإنما تهون مرارة هذا الدواء ، أعنى التواضع للأعداء ، والتقرب إليهم بالمدح والثناء ، بقوة العلم بالمعاني التي ذكرناها ، وقوة الرغبة في ثواب الرضا بقضاء الله تعالى ، وحب ما أحبه ، وعزة النفس وترفعها عن أن يكون في العالم شيء على خلاف مرادها جهل . وعند ذلك يريد ما لا يكون ، إذ لا مطمع في أن يكون ما يريد . وفوات المراد ذل وخسة ، ولا طريق إلى الخلاص من هذا الذل إلا بأحد أمرين ، إما بأن يكون ما تريد ، أو بأن تريد ما يكون . والأول ليس إليك ولا مدخل للتكلف والمجاهدة فيه . وأما الثاني فللمجاهدة فيه مدخل ، وتحصيله بالرياضة ممكن ، فيجب تحصيله على كل عاقل هذا هو الدواء الكلى . فأما الدواء المفصل ، فهو تتبع أسباب الحسد ، من الكبر وغيره ، وعزة النفس ، وشدة الحرص على ما لا يغنى . وسيأتي تفصيل مداواة هذه الأسباب في مواضعها إن شاء الله تعالى فإنها مواد هذا المرض ، ولا ينقمع المرض إلا بقمع المادة . فإن لم تقمع المادة لم يحصل بما ذكرناه إلا تسكين وتطفئة ، ولا يزال يعود مرة بعد أخرى ، ويطول الجهد في تسكينه مع بقاء مواده . فإنه ما دام محبا للجاه ، فلا بد وأن يحسد من استأثر بالجاه والمنزلة في قلوب الناس دونه ، ويغمه ذلك لا محالة . وإنما غايته أن يهون الغم على نفسه ، ولا يظهر بلسانه ويده ، فأما الخلو عنه رأسا فلا يمكنه ، والله الموفق بيان القدر الواجب في نفى الحسد عن القلب اعلم أن المؤذي ممقوت بالطبع ، ومن آذاك فلا يمكنك أن لا تبغضه غالبا . فإذا تيسرت له نعمة ، فلا يمكنك أن لا تكرهها له ، حتى يستوي عندك حسن حال عدوك وسوء حاله بل لا تزال تدرك في النفس بينهما تفرقة ، ولا يزال الشيطان ينازعك إلى الحسد له . ولكن إن قوى ذلك فيك ، حتى بعثك على إظهار الحسد بقول أو فعل ، بحيث يعرف ذلك